ابن أبي الحديد
204
شرح نهج البلاغة
قال الرضى : قوله عليه السلام في هذه الخطبة : " كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم وإن أسلس لها تقحم " ، يريد أنه إذا شدد عليها في جذب الزمام وهي تنازعه رأسها خرم أنفها ، وإن أرخى لها شيئا مع صعوبتها تقحمت به فلم يملكها . يقال : أشنق الناقة إذا جذب رأسها بالزمام فرفعه ، شنقها أيضا ، ذكر ذلك ابن السكيت في " إصلاح المنطق " . وإنما قال عليه السلام : " أشنق لها " ولم يقل " أشنقها " لأنه جعله في مقابلة قوله : " أسلس لها " ، فكأنه قال : إن رفع لها رأسها بالزمام أمسكه عليها بالزمام ، وفى الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب على ناقته وقد شنق لها فهي تقصع بجرتها . ومن الشاهد على أن " أشنق " بمعنى شنق قول عدى بن زيد العبادي : ساءها ما لها تبين في الأيدي وإشناقها إلى الأعناق * * * الشرح : سمى السواد سوادا لخضرته بالزروع والأشجار والنخل ، والعرب تسمى الأخضر أسود ، قال سبحانه : ( مدهامتان ) يريد الخضرة . وقوله : " لو اطردت مقالتك ، أي أتبعت الأول قولا ثانيا ! من قولهم : اطرد النهر إذا تتابع جريه . وقوله : " من حيث أفضيت " أصل أفضى خرج إلى الفضاء ، فكأنه شبهه عليه السلام حيث سكت عما كان يقوله ، بمن خرج من خباء أو جدار إلى فضاء من الأرض ، وذلك لان النفس والقوى والهمة عند ارتجال الخطب ، والاشعار تجتمع إلى القلب ، فإذا قطع الانسان وفرغ ، تفرقت وخرجت عن حجر الاجتماع واستراحت .